الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
  فتح باب الإشراف في منتديات عابر القارات.. مطلوب مشرفين جدد
فتح باب الإشراف في منتديات عابر القارات.. مطلوب مشرفين جدد 
أهلآ ومرحبا بك زائرنا العزيز فى منتداك للتسجيل    اضغط هنا

شاطر | 
 

 الحملات الصليبية ، وأصبحت كلمة " ديمقراطية "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
avatar

sms أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم معلومات العضو
ذكر
عدد الرسائل : 461
تاريخ التسجيل : 25/12/2007
العمر : 31

مُساهمةموضوع: الحملات الصليبية ، وأصبحت كلمة " ديمقراطية "    الجمعة 27 يناير - 10:26




في زمان مضى ، كان " الصليب " ،
هو شعار الحملات الصليبية ، وأصبحت كلمة " ديمقراطية " ، هي شعار الغزو
الصليبي في زماننا ، وكانت ولم تزل الهوية الجماعية العربية والاسلامية هي
التي يراد الحاق هزيمة بها ، ذلك بأنها في جوهرها تشكل العائق أمام الغزاة
في سعيهم الذي لا يتوقف نحو نهب ثروات هذه المنطقة ، ولهذا كان أمن هذه
الهوية مستهدفا ، وعلى كل صعيد ، ما يفسر حاجة الاستعمار الدائمة الى كل
تلك الكتابات التي لم تدع مكونا من مكونات الهوية الا وأفردت له من الكتب
والدراسات والمقالات الكثير ، ناهيك الى دور الاعلام ، وذلك كله في خدمة
غاية محددة هي تسهيل الدرب الى السيطرة ، فكذلك شأن كلمة ديمقراطية ، فهي
من حيث كونها نظاما لأسلوب تحقيق النمو والتطور تأصيلا للحرية وتحصيلا
مستمرا لمزيد من التقدم فالحرية ، فانها الديمقراطية بهذا المعنى الجوهري
لها هي بعينها التي تناقض أهداف الغزو الاستعماري ، ولهذا لم يكن
المستعمرون ليقصدوها بهذا المنحى وانما قصدوا الى كونها أيضا انتخابات
وتبادل سلطة ، فمن باب كهذا في دولة نامية يمكنها الرأسمالية أن توظف
أموالها في الاستثمار وما الى ذلك ، لتسيطر على نظام الحكم في البلد ،
بأدوات تابعة لها ، هي في ظاهرها مخلوقات متعلمة مثقفة متخصصة في فروع
علمية شتى ، وهذا هو القناع الذي يصبح واجهة من ورائها الاستعمار يتحكم
بمصائر الناس وينهب ويسلب ، ويشيع فسادا في المجتمع .


فعلى ذلك حين تجاهر قوة استعمارية
بأنها بالغزو الاستعماري ، انما تريد اعادة هيكلة النظام السياسي لدولة ،
لتقيم ديمقراطية فيها ، فانها لا تعني من ديمقراطية غير ما يتوافق مع
أهداف الغزو ذاته ، واذا هي تجاهر بعزمها على اعادة هيكلة الثقافة ، أو
اعادة رسم التربية واتجاهات الثقافة في اتجاه ترضى هي عنه ، فانها انما
تعلن حربا على هذه الثقافة وتود أن تنتج ثقافة تنسجم مع ما يسهل لها
أطماعها الاستعمارية ، فهي الحرب على الارادة السياسية ، بهدف اعتقالها
لتحريكها وفق ارادة المستعمرين أو يتم تحطيمها ، ما لا يدع من دور لهذه
الارادة الا أن تقاوم ، فأو تكون أو لا تكون . فأن تتحدى يعني أن تتجدد
ذاتيا وتستنفر امكانياتها ، ويصبح الامكان الوحيد أمامها ، أن تتخلص من
كل ما يعيق المقاومة ، فهي في امتحان البقاء ، فالتهديد يداهم الأمن
الثقافي ، ومحيط بالهوية ، فالأهداف الاستعمارية جلية واضحة .. انها تقال
بملء الفم ، وبصلافة ، بلا أدنى اعتبار لأية ارادة سياسية .


وهذه الجغرافية التي تتعرض للغزو ،
ولا يتوانى المستعمرون عن محاربة هويتها بشتى الأساليب ، انما هي عربية
اسلامية ، تقوم على أرضها مساجد يرفع فيها الآذان ، وقد ارتسمت حدودها
بأولئك الذين رفعوا رايات الاسلام ، تقدموا وفي قلوبهم الأمل بأن ينقلوا
الدين الاسلامي ، النعمة الكبرى ، الهداية العظمى الى الناس ، ومن هنا كانت
هوية هذه الجغرافية وهوية الناس فيها ، فهي أرض الاسلام .


وقد قام المسلمون عبر التاريخ
يحامون عن هذه الأرض ، ويبذلون كل غال ونفيس من أجل أن تظل رايات الاسلام
خفاقة عالية فوق ربوع هذه الجغرافية ، التي هي مواطىء أقدام قلوب أفنت
حياتها من أجل أن يذكر اسم الله في هذه الأرض .


وقد وعى الصليبيون المخربون ،
الذين هم المستعمرون هذه الحقيقة التاريخية ، فلم يتركوا فرصة متاحة من
ضعف في جانب المسلمين الا وانتهزوها لغزو أرض الاسلام ، وهم مليئون بكل
كراهية وحقد ، وفي كل مرة ينزعون الى زحزحة المسلمين عن الجغرافية التي هم
فيها ، وذلك لكي لا تظل رايات الاسلام ترفرف عليها ، ولا يتورعون عن فعل
كل ما يلحق ضررا بالمسلمين ، بما في ذلك انتزاع الاسلام من المسلم ، أو
الابادة والتهجير ، وكان هذا دأبهم ، فليس احتلال الجغرافية بهدف الاخضاع
والنهب والسلب لثرواتها فحسب ، وانما أيضا لاحتلال النفس والعقل والروح ،
وليس مثل محاكم التفتيش في الاندلس ، وما حاق بالمسلمين الشركس أو الجراكسة
في القوقاز ، دلالة على ذلك .


وقد تبوأ الاسلام لدى المستعمرين
رتبة العدو الأول ، فراحوا الى ذلك في مستوى الفكر ، وعلى كل صعيد ،
يبذلون كل متاح من أعمال فكرية لتؤدي دورها في تأهيل ما أمكن من مسلمين
الى رؤية فكرية شائهة لدين الاسلام وتاريخ المسلمين ، عساها تبدل في
نظرتهم الى دينهم ، وعساه وعيهم بتاريخهم يشوبه التشويه، ما يترتب عليه
فراغ يستدعي البحث عن بديل ، لتتقدم ما تتسمى بالعلمانية أو الديمقراطية أو
الليبرالية ، أو الماركسية أو ما شابه من فلسفات لتغدو هي منهل البحث عن
أشكال لأنظمة الحياة وأنظمة الحكم ، لصياغة مستحدثة تتخريج بها فكرة شاملة
عن الحياة ، فتتحقق بها قطيعة جزئية أو كاملة بين الانسان المسلم وبين
الدين الاسلامي .


بل ومن منظور الحداثة كما يراها
هابرماس ويشرحها أفاية ، فثمة تحصيل لقطيعة لا بد تحصل مع العادات
والتقاليد ، بل مع كل ما هو قديم ، ولعل برهان غليون في كتابه ( نقد
السياسة .. الدولة والدين ) ، قد أفلح في تقديم شروحات وافقية وعميقة
المعنى للعلمانية كما هي انبثقت في العلم الأوروبي المسيحي تحديدا ، فهذه
العلمانية تمثل قطيعة كاملة شاملة مع الدين ، تستبعده وتزيحه بعيدا عن كل
تأثير له على نظام الحكم وعلى الفردية ، بل وعلى فكرة الانسان عن الكون ،
فعلاقة العقل بالكون والمجتمع ونظام الحكم تصبح بحكم العلمانية منفصلة
بالتمام عن الدين ، والمقصود هنا الدين المسيحي .


فليست العلمانية ، كما يقاربها
البعض الى منظور يتمازج مع دين الاسلام ، فالمقاربة التي لجأ اليها البعض
بل الكثيرون ، من أمثال محمد أركون وجورج طرابيشي ، لا حاجة للاسلام بها ،
ولا التحريف لكلمة العلمانية وتحويلها الى كلمة بمعنى علمية ، به فائدة
مضافة ، فالدين الاسلامي يؤثث لطلاقة قدرات العقل في الطبيعة ، فمن هنا
تتأتى حاجات الانسان المادية كما يشير القرآن في أكثر من آية كريمة ، بل
علاقة الانسان بالدين تلزم العقل بأن يكون باحثا في الكون المحيط به ،
باحثا في الزمان والمكان ، وهذا كاف تحديدا لدور العقل والجهد في السعي
بمجرى النمو والتطور بتدافع لا ينقطع ما يضمن تحقيق ديمومية التقدم ، وهذا
بذاته ضرورة الحرية ، وهي التي لم يكن ممكنا الوصول اليها في عالم أوروبي
مسيحي الا بالعلمانية ، فالليبرالية ، تحريرا لمسار النمو والتطور ،
باستبعاد أي سلطة دينية ، وشتان ما بين دين بما هو يشكل عقبة أمام التقدم
والحرية حين تداخله بالسلطة أو في كونه سلطة ، وبين دين الاسلام الذي يقوم
على أركان تؤثث للحرية ولمجراها .


وهذه هي العلمانية ، وما تعنيه
في علاقتها بفكرة الانسان عن الحياة ، ومثلها الليبرالية التي من دون
العلمانية تغدو بلا معناها الذي يدل عليها ، وهي التي تتنادى بها عقول
عربية ، ومن تسموا بمسلمين ، ويتلمعون بها كأنما هي بشارة( ؟! ) ، يبشرون
بها في العالم العربي والاسلامي ، وهي المناداة التي يحملها المستعمرون ،
وقادتهم ولا يكفون عن القول بها وتبريرها ، والدعوة اليها بل اتخذوها
البشارة التي تبرر لهم تدمير بلد عربي أو اسلامي ، فهي رايتهم الى الغزو
والسيطرة .


الا أن المفكرين من العرب ممن
يناهضون الاستعمار ويقولون قولهم ، ويبررون ما يتنادون اليه بغير ما يقيم
تناقضا مع ثقافة وتاريخ ودين اسلامي ، انما يدللون على بؤس وعي بالدين
الاسلامي ، فهم يتحدثون في كتاباتهم عن دين يظنونه الاسلام ، ما يدل على
قراءات فضفاضة ووعي ركيك وتهافت ظالم ، وليس هذا فقط بل نجد منهم من يتخذون
من معارفهم بديمقراطية وليبرالية وعلمانية ، منطلقا لتقديم تصور للدولة
بزحزحة الاسلام بعيدا عنها لينحصر في الشأن الفردي ، ويقولون بكل سهولة
الكلام وسذاجة الخطاب ، بأن مسألة الدين روحانية وفقط فهي برأيهم خصيصة
الفرد الانسان ، وهذا شأنه ، وتتوافق مع هذا الاتجاه في الدعوة الى عزل
الدين عن الحياة ، دعوة أكثر لؤما وأكثر عمقا في تبيت المكر بهوية هذه
الأمة ، وهي دعوة الى الادماج الثقافي ، وتنقاد بفكر استعماري غاياته هي
غايات استعمارية .


فالامبريالية اذ تسعى الى السيطرة
على الجغرافية ، فليس لنهب ثرواتها فحسب ، بل ولربط من فيها من البشر
بثقافة تسهل لها بلوغ غاياتها من السيطرة ، بانتاج عقلية استهلاكية ،
لاستنزاف الناس جهدهم بجعلهم سوقا استهلاكية ، يتهافتون على بذل جهدهم
وشراء السلع ، وفق أنماط تتحكم بها الامبريالية ، بل الأطماع تتمادى الى ما
هو أبعد من ذلك لضمان السلب والنهب ، ببذل جهود ضخمة في اقالة العائق وهو
الهوية الجماعية ، بتشويهها الى حد الاقالة ، أو ما يشبه الاقالة ، لكي لا
تستولد يوما هذه الهوية قوى تناهض الأطماع الاستعمارية .


فاذا ثمة سيطرة استعمارية ، وبدا
بأن تغييرا يتحقق في مظاهر حياة الناس فهو ضرورة امبريالية للربح ،
وليس لتحقيق نهضة في مستوى معيشة الناس ، فكل نهضة حقيقية تعاندها
الامبريالية ، فهي تخشى أي منافسة في السوق وتريد أن تحتكره لنفسها ، ومن
هنا هي تخاف دور العروبة والدين الاسلامي في انتاج عقلية تؤثث لتغيير جوهري
في رؤية الانسان لحاضره ومستقبله ، ما يترتب عليه اقبال على هيلكة نظام
الحياة على ما يوفر انتاج الحاجات والتدافع بالابداع والانتاج الى تأسيس
نهضة علمية تصب في التحول الى بناء القدرة التي تنافس ، ما يترتب عليه
تراجع الامبريالية ودحرها .


وهذا ما دعا الامبريالية الى
اتخاذها الحرب سبيلا الى الحفاظ على استمرارها . وهذا شأن الاستعمار ،
الذي لم يزل يتغطرس ويعربد ويسفك الدماء ، وهو سادر في جرائمه ، وقد وجد
السبيل الى ما يمكنه من ذلك ، فلقد سبق الى بناء قوة ضاربة بها يستطيع أن
يحقق أهدافه ، اذ بحث في حركة المادة وفي ماهية القوى التي تحكم سيرها ،
فأقام علوما للطبيعة وسخرها بادراك عجيب في بناء قوة يحمي بها هذه المعيشة
، ودار به الغرور كل دورة ، وقد فاقم من غروره عتو قوته ، وما بلغه بها
من قوة تدميرية ومقدرة على زرع الدمار والرعب في ديار ونفوس الآخرين .


وقد ضاعف من اغرائه في نزعته الى
استعمال قوته فقر الآخرين وضعفهم وسهولة التدبر معهم ، فهم قد ساروا في
الأرض جيلا في أعقاب جيل ، لا يبحثون في المادة ولم ينتبهوا الى أن فوق
أكتافهم ثروة عقلية ، فيما لو انتفعوا بها في خلال التفاعل مع الطبيعة ،
لكانوا بدلوا في حياتهم ومكنوا لأنفسهم وأنتجوا دعائم أمنهم ومعاشهم ،
ولكنهم لم يفعلوا من ذلك ما فعله غيرهم ممن فوجئوا بهم فوق رؤوسهم ،
يركبون الهواء بطائرات ، وينزلون عليهم من السماء ، وهم لا زالوا على ظهور
الحمير ، وبيدهم عصا يهشون بها أغنامهم ، فمئات من السنيين مرت عليهم ،
وهم خارج العقل وخارج التاريخ ، بعد أن كانوا من قبل استنقاعهم في الركود
والبلادة ، يتألقون بالفكر والابداع على كل صعيد .


لقد هيأتهم غربتهم عن الابداع ،
الى ضعف شاع في بنيتهم الاجتماعية ، فأصبح المجتمع برمته ضعيفا ، لا يقوى
على مواجهة قوى أجنبية لديها كل امكانية لفرض سيادتها ، بحثا عن مصالح تسعى
وراءها ، ولقد تدل حقائق التاريخ والواقع على أن النظام الاستعماري برمته
، انما يعنيه من سعيه الى بسط سيطرته على الشعوب الفقيرة الضعيفة ، هو
حرية رأس المال في مفاقمة نفسه ، ومن هنا تحررت القوى الاستعمارية من كل
القيم ومن كل الفضائل ، ومن كل اعلاء لقيمة الانسان ، ولا يعنيها سوى حرية
القوة العسكرية في كسر ارادة الشعوب وتحطيم حاضرها ومستقبلها ، وذلك ضمانا
للاستمرار في نهب ثرواتها وتسخيرها في أعمال تفاقم رأس المال ، وتزيد في
شأفته الى مزيد من المفاقمة واتساع الهوة بين السالب والمسلوب ، بين السارق
والمسروق ، بين الأغنياء وبين الفقراء ، لتزداد في مدى الأيام امكانية
ترشيح الفقراء الى حياة البؤس ، ومعاناة المرض ، ومنازعة البقاء حتى لا
يبقى لهم سوى أن يختاروا بين استساغة السخرة والاستعباد أو الموت فاقة
وجوعا وذلا .


ولعلها كتابات المستعمرين تكشف
مقدار سخريتهم واستخفافهم من الشعوب التي أذاقوها الويلات ، فترى في
النصوص كثيرا من الدلالات الفصيحة على أنهم يستهزؤون بهم ويسخرون منهم ومن
عاداتهم وتقاليدهم ، ومن سلوكهم ومعاملاتهم وأنماط حياتهم ، ويحاولون
اكتشاف أسباب تخلفهم في ثقافاتهم ، ولا يتركون شمعة مضيئة في تاريخهم الا
ويجهدون الى اطفاء هذه الشمعة ، وينغصونهم بالمزيد من افقارهم وبمضاعفة
فقرهم ، وبتعميق احساسهم بعدم الأمان ، والتنكيل بهم ، أو حصدهم مثل ما
يحصد المنجل القمح في موسم الحصاد .


ولقد برع المفكر الفلسطيني ادوار
سعيد في كتابه ( الثقافة والامبريالية ) في قراءة وتمحيص مشاهد القوة
والسلطة والثقافة والثروة ، وما توجبه غايات القوة من علاقات بينها ، وما
كان ولا يزال من تأثير لتفعيل هذه العلاقات ، على الجغرافيا والتاريخ
واللغة والدين ودوره ، والماضي والمستقبل ، والتي ما زالت تنبسط بكل
حقائقها أمامنا ، ونكتشفها بحدة الفهم في الدفاتر والكتب والصحائف ،
والواقع المعاش ، وتحكي هي عن نفسها بأبلغ عبارة ، قد يقال فيها بأنها
حكاية فن الرسم الاستعماري ، وما به من صياغة جديدة يقدمها بأبلغ أسلوب ،
وأعنف ممارسة لاعادة هيكلة هذه المنطقة ودمج سلوك أبنائها في ثقافة من نوع
جديد ، لم تعهده هذه المنطقة من قبل ، وهي الثقافة التي تتقدمها القوة ،
ولتفسح لها المجال أمامها ، فهي التي تتعلق عليها مهمة تأهيل أهل هذه
المنطقة الى ما يتفق مع طموحات القوة التي كسرت شوكتهم .


ويتوصل ادوارد سعيد ، الى أن فن
الرسم الاستعماري قد تعدى دوره في صياغة التجزئة والتنافر والبعثرة واعادة
السيطرة الى صياغة أشكال ثقافية احتوائية استعمارية تستهدف بلورة هوية ،
تنقل أهل هذه المنطقة الى الدمج الكامل في ثقافة الامبريالية ، وهذا كما
أنه انشاء ثقافي منبثق من داخل الثقافة الامبريالية ، فانه كذلك مصوغ من
داخل الثقافة الصهيوينة ، فكتابة مشوهة للتاريخ ، واستعداء على الجغرافيا
والتاريخ باعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة ، وما استدعاه ذلك من اقتلاع
من الأرض ، وتشريد وتشتيت للمقدرة على رد الفعل المنظم واحكام السيطرة ،
واعادة هيكلة الثقافة ومضامينها ضمن برامج التعليم وضمن تيارات سياسية
واجتماعية مبررة بما تنجزه في ذهنية ونفسية أهل المنطقة الأصليين من رؤية
مشوهة للتاريخ ، وتشويه للهوية ، فذلك اضافة في المقدرة على التهجين
والتدجين ، وتوجيه السلوك بالتحكم الصريح والخفي ، فأسرلة أو فتجذير ثقافة
الارتماء في التبعية ، ثم دمج ، فهوية جديدة ، وقد تنافى هذا الانشاء ،
وتجافى الى حد التصادم المستمر مع النهج الذي راح يعيد تنظيم الذاكرة
الجماعية ، وترميم الوعي ، وتنمية المقدرة الاجتماعية على تحقيق ارادتها ،
وذلك لاعادة تكوين المجتمع ، ولكي يعود سيرته الأولى مع هويته ، ويقوى على
الارتقاء بمقدرته الى مستوى التحديات التي تواجهه ، ولكي يستأنف دوره
الحضاري ، ويأخذ دوره في صراع القوى العالمية ، وهو الصراع الذي لا محيد له
عنه ، وذلك لأنه متصل بالمعيشة وبالأمن والمصير .


اننا وبحق لا نحتاج الى جهد فكري ،
لكي ندرك من مشاهد القوة والجغرافية ، تلك الرغبة الجامحة في انشاء ثقافي
مندمج مع طموحات الامبريالية في بلادنا ، ان ما نراه ونعيه يقيم لنا ادراكا
فاهما بأننا في محنة بقاء ، فأمن الهوية الجماعية تنهشه القوى الاستعمارية
، ومثقفون ومتعلمون ليسوا بالتمام مندرجين في المشروع الاستعماري وانما
بهم سعي الى نهضة ، لا يرونها بغير استساخ جملة الغرب على العرب ، ما
يجعلهم يتورطون في محاربة الهوية بسعيهم الى اعادة هيكلتها على ما يتناقض
معها ، غير مدركين بأن ثمة ما يتوجب الالتفات اليه في كل شأن من حديث عن
نهضة ، وهو أن ادارة عملية النمو والتطور انما تحتاج الى ايلاء التعليم
بليغ الاهتمام من أجل أن تتخذ صروح العلم دورها في انتاج حاجات الناس من
كل متصل بمعيشة وأمن ، وهذا هو أكثر الجوانب التي يحض عليها الاسلام ،
ويرقى بها الى مراتب العبادة ، فكيف التقت عقلية هؤلاء النفر بوجود ثمة
تناقض بين مكونات الهوية وبين الرفعة والتقدم ، ما جعلهم ينحازون الى ما
يناقض الهوية .


فالى أين يصار بنا ، سؤال يطرحه
كل من به قلق على المصير ، فالى أين ؟ ، وكيف يمكن الامساك بزمام المصير
والسيطرة عليه ، وقيادته على الطريق الذي من شأنه أن يحقق الأمن الثقافي ،
بل وأمن الهوية الجماعية ، بحال يصار به الى كسر شوكة الاستعمار ، واعادة
هيكلة الواقع على ما يبعث نهضة حقيقة ، وهو السؤال الذي يسأله أيضا من كاد
لا يحس دورا لارادته فيما هو صائر اليه . كأنما هول الصدمة مما يرى أو
ذهوله من مشاهد القوة ، قد أفقده لأول وهلة سيطرته على مصيره ، فكأنه يحس
غيره يملك مصيره ، وحال كهذا كارثي ، لأنه هو شبه عدمية الفعل المقاوم .
وهي العدمية ذات الدافعية التي لربما تظهر في التبرير الذي يشيع الاحباط
واليأس وهو أسوأ ما يمكن أن يلقاه الأمل الذي يتعلق به – وسط الظلام – من
كان يحس بارادته ، وبمقدرته أن يكون له دور يؤهله في مستقبل أيامه الى
قيادة مصيره الى ما يريد أن يصير اليه .


ومن التاريخ شواهد على كذا دور
تفرد دوما في تحطيم رسم استعماري استهدف الناس والجغرافية . وكان لدور كهذا
ايجاب هو أن يستوي على غاياته ، ولا بد أن يكون بصيرا بحقائق الواقع
ومحيطا بالمخاطر التي تتهدد مصيره .فغاية هذا الدور في امتحان البقاء هي
الحرية وشاغل هذا الدور الأحرار الذين هم دوما يجب أن يكونوا في حركة
دائمة تجسد الحرية ، وتقيم لها حاضرا ذا قابلية تلقائية للنمو والتطور في
سير الزمان ، في المستقبل ، اذ لا قيمة لأفعال لا تؤثث لمستقبل يزهر ويثمر
حرية ، وهذا بالضرورة يوجب اتصال الوعي بالواقع بكل اشكالياته وتعقيداته ،
ولن تنفع في شيء العزلة عن ادراك الواقع ، ذلك لأن توهم الواقع أو حتى
الادراك السطحي لمشكلاته أنما يترتب عليه افتراض حلول متوهمة ، سرعان ما
تستهلك جهدا وامكانيات تذهب في حلول وهمية ويبقى الواقع كما هو مأزوما ، أو
لربما ذلك يؤدي الى تأزيم أزماته أكثر فأكثر .


وأحسب بأن الأحرار يتوجب عليهم أن
يتجهزوا ليس فقط بما ألمحت اليه وهو منهج البحث العلمي ، بل أن يفادوا من
ذلك أيضا بضرورة امتيازهم بارادة المعرفة وارادة السيطرة ، فمعرفة مشكلات
الواقع وتحديدها علميا ، وتخطيط اسلوب لتحصيل الحل الصحيح لها ، فالمعرفة
بأنه الحل الصحيح ، فانجاز تطبيقه ، وذلك لأنه بهذا الانجاز يحسم الأحرار
صراعا لصالحهم ، ويمكن لارادتهم من بسط سيطرتها في نطاق ذلك الحل ، وهكذا
يجري في الواقع تحول في أعقاب تحول حتى تفسح كافة التحولات مجال السيطرة
الكاملة لفكرة الحرية ، وينجح بذلك الأحرار في امتحان البقاء .








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://aaper0elkarat.ahlamontada.com
 
الحملات الصليبية ، وأصبحت كلمة " ديمقراطية "
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: (المنتدى السياسى)عابر القارات الثانى :: الأراء والمواضيع السياسيه بدون تعصب-
انتقل الى: